ابن بطوطة
54
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
العابد جمال الدين الحويزاي شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة . ثم سافرنا منها قاصدين الكوفة في برّيّة لا ماء بها إلّا في موضع واحد يسمى الطرفاوي « 165 » وردناه في اليوم الثالث من سفرنا ، ثم وصلنا بعد اليوم الثاني من ورودنا عليه إلى مدينة الكوفة « 166 » . مدينة الكوفة وهي إحدى أمّهات البلاد العراقيّة ، المتميّزة فيها بفضل المزيّة ، مثوى الصحابة والتابعين ، ومنزل العلماء والصالحين ، وحضرة عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ، الّا أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدّت إليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها ، فانّهم يقطعون طريقها ، ولا سور عليها ، وبناؤها بالآجر ، وأسواقها حسان وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك ، وجامعها الأعظم جامع كبير شريف ، بلاطاته سبعة قائمة على سواري حجارة ضخمة منحوتة ، قد صنعت قطعا ، ووضع بعضها على بعض وأفرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول . وبهذا المسجد آثار كريمة فمنها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة ، يقال : إن الخليل ، صلوات الله عليه ، كان له مصلّى بذلك الموضع ، وعلى مقربة منه محراب محلّق عليه بأعواد الساج مرتفع وهو محراب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهنالك ضربه الشّقي ابن ملجم « 167 » والناس يقصدون الصلاة به ، وفي الزاوية من آخر هذا البلاط مسجد صغير محلّق عليه أيضا بأعواد الساج يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنّور حين طوفان نوح عليه السلام « 168 » ، وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنّه بيت
--> ( 165 ) كان على ابن بطوطة أن يقطع نهر دجلة في بعض النقاط الواقعة بين الحويزاء ، وبين الكوفة وعن الاسم ( الطرفاوي ) لم يكن في الاستطاعة تحديده . . . ( 166 ) أسست مدينة الكوفة كحامية عام 17 638 من قبل العرب بعد فتح العراق ، كما هو الامر بالنسبة للبصرة ، وقد اختارها الإمام علي كعاصمة للخلافة عوض المدينة 35 656 ، وفيها اغتيل عام 41 661 وقد بني سورها من لدن المنصور العباسي ، كانت المنطقة تنتج القطن والحبوب ، وسكانها كانوا حسب مستوفي ، شيعة . . . وإن معظم ما ورد في وصفها من قبل الرحالة المغربي مستمد من ابن جبير الذي زارها عام 580 1184 . . . ( 167 ) كان الإمام علي رضي الله عنه قضى في النهروان عام 38 658 على عدد كبير من الخوارج الذين امتنعوا عن مناصرته في الصراع الذي دار بينه وبين معاوية والذي سيصبح أصل الخلاف بين السنة والشيعة ، ومن هنا وجدنا أحد الخوارج : ابن ملجم يغتال عليّا في جامع الكوفة سنة 40 661 . الذي يقول ابن جبير ( ص 168 ) " إن عدد أبلطته في الجانب القبلي خمسة وفي سائر الجوانب بلاطان ويضيف ابن جبير : " إن الناس يصلون فيه باكين داعين " . . . ( 168 ) القرآن الكريم ، السورة 11 ، الآية 40 : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنّور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك .